ثيسالونيكي | القصة رقم 2 تعلم المشي معاً

وصلت إلى اليونان في نوفمبر 2015 وبقيت في إيدوميني لمدة شهر في الوقت الذي تم فيه إغلاق الحدود ولم يُسمح إلا للاجئين من سوريا والعراق وأفغانستان بالمرور. ولم يسمحوا لي بالمرور. لم يكن لدي وجهة محددة للوصول إليها، أردت فقط الوصول إلى مكان أشعر فيه بالأمان والقدرة على العيش وايجاد الحياة التي أرغب فيها دون مشاكل. بعد إيدوميني ذهبت إلى سالونيك إلى الخربة المهجورة أورفانوتروفيو للاجئين والمهاجرين. في الحقيقة كنت اللاجئ الثاني الذي دخل إلى الخربة المهجورة. وكانت في ذلك الوقت مليئة بالأشخاص المتضامنين على الرغم من أن لا أحد منهم تحدث كمجموعات سياسية ،الشيء الذي اعتبرته جيد جيداً. لذلك بدأنا معاً المهاجرين والمتضامنين لإصلاح المبنى. في البداية لم يكن لدينا ماء ساخن، ولم يكن الحمام يعمل، ولم يكن المطبخ موجوداً. فقمنا بإصلاح كل شيء من الصفر، وبمساعدة المهندسين الميكانيكيين المتضامنين قمنا ببعض الأعمال في المبنى. كان اللاجئون من جنسيات مختلفة وكان معظمهم يرغب في الذهاب إلى ألمانيا. في وقت ما كان يوجد في أورفانوتروفيو حوالي 100 شخص مما يعني أننا تجاوزنا السعة المثلى للمبنى. كان الناس ينامون في كل مكان، كان الأمر صعباً للغاية.

وبشكل أكثر تحديداً، أعتبر الخربة المهجورة أورفانوتروفيو مثالاً أساسياً للخرب المهجورة التي يعيش فيه اللاجئون لأنه كان يعتمد على التضامن الفعال. وكل الذين شاركوا العمل في أورفانوتروفيو فعلوا ذلك بدافع الاهتمام الحقيقي وليس بسبب مكاسب سياسية أو شخصية. بعض الأشخاص المتضامنين مكثوا معنا لمدة 24 ساعة في اليوم، ناموا إلى جانبنا، وفحتوا قلوبهم لنا. وإذا احتجنا إلى أي شيء، اشتروه لنا ودفعوا ثمنه من نقودهم الخاصة، وأنا أعلم جيداً أن هنا في اليونان توجد أزمة اقتصادية وأن المتضامنين يواجهون مشاكل اقتصادية أيضاً. ومع ذلك، فإن كل من كان يذهب لشراء كوب من القهوة كان دائماً يجلب كوباً آخر لنا. أما الذين جاءوا لدعمنا لمصالحهم السياسية الصغيرة، لم يبقوا لوقت طويل. هناك فرق مهم بين الاستثمار السياسي الصغير والتضامن الحقيقي. هناك فرق أن تسأل "مرحباً، كيف حالك؟" بطريقة مرتجلة، وسؤال "مرحباً، كيف حالك؟" بإخلاص. في وقت لاحق، تم إغلاق الحدود للجميع وبدأ الناس يفكرون أكثر في ما يجب القيام به، لذلك اكتسبت الحياة في أورفانوتروفيو قواعد أكثر ديمومة.

وبالنسبة لإخلاء أورفانوتروفيو، في ذلك اليوم كان هناك عدد قليل من الأشخاص المتضامنين والذين تم اعتقالهم. دمرت الشرطة التي قامت بإخلاء المبنى كل شيء، حتى الأغراض الشخصية للمهاجرين. لذا فقد الناس أموالهم وأوراقهم وجوازات سفرهم وحتى ملابسهم القليلة. فكر في مدى أهمية فقدان اللاجئ لهاتفه، ولكن رجال الشرطة لم يسمحوا لللاجئين عمداً بأخذ هواتفهم المحمولة حتى لا يتصلوا بأشخاص آخرين. إن الهاتف المحمول هو الطريقة الوحيدة التي يمكن للاجئين من خلالها الاتصال بعائلاتهم، والأشخاص البعيدين، ومع بلادهم. لقد تم تدمير المبنى على الفور بأمر من الكنيسة التي تمتلكه. الكنيسة والدولة وجهتا أصابع الاتهام وألقت اللوم على أورفانوتروفيو بـأن هذا المكان هو السبب لكل شيء سيئ حدث في المدينة.

أما بالنسبة لأسلوب العمل الداخلي لـ أورفانوتروفيو ، فقد كانت بمثابة جلسات شاركنا فيها جميعاً، رجالاً ونساءً، وتحدثنا بلغات مختلفة مثل اليونانية أو الإنجليزية أو العربية وتواصلنا من خلال مترجمين. نظمنا مجلسين، مجلس سياسي ومجلس السكان. تمت إدارة جلسة السكان من قبل المهاجرين، أي من قبل سكان الخربة المهجورة وتم تنظيمه حول القضايا اليومية. في حين كان المجلس السياسي يتعامل بشكل رئيسي مع القضايا السياسية وكان متاحاً للجميع، اللاجئين، المهاجرين، والمتضامنين. ومع مرور الوقت بدأت علاقات الثقة في التطور ونظمنا العديد من المظاهرات وغيرها من النشاطات. في هذه المرحلة، أود أن أكرر، بدأنا ندرك نوعية الأشخاص الذين شاركوا بدافع الاهتمام الحقيقي أو بدافع سياسي صغير. إن المهاجرين هم أشخاص غادروا من بلدان في حالة حرب، وغادروا لأسباب سياسية أو اقتصادية أو لأسباب أخرى، وعلى هذا النحو، كل شخص يفكر ويفهم، ولديه وجهة نظر سياسية، ويكتسب بمرور الوقت المعرفة بمن تثق وبمن لا تثق. وبهذه الطريقة تمكنا من خلق شكل من أشكال الوحدة بيننا، وفي نهاية المطاف تمكنا من العمل معاً ، المهاجرين والمتضامنين كشخص واحد.

الميزة من هذه العملية هي أننا كل أسبوع نشترك في تحديد برنامج العمل في المبنى. كان يتوجب على كل السكان مسؤولية التنظيف في أيام معينة، مثل الطهي أو حماية المبنى. وبالتعاون مع اليونانيين والأجانب المتضامنين الذين لديهم المعرفة اللازمة، قمنا بإصلاح أي شيء يحتاج إلى إصلاح، مثل السباكة والمراحيض والحمامات. بالطبع، أحياناً يتوجب على الشخص الذي لديه خبرة في مجال ما أن يكون مشغولاً أكثر بالمهمة التي بين يديه، مثل الطهي أو بعض الوظائف الفنية. لكن بشكل عام، يمكنني القول إن معظمنا كان يحاول التعلم من بعضهم البعض والمشاركة على قدم المساواة في التزاماتنا. قد يتساءل البعض كيف نتواصل جميعاً مع بعضنا البعض ونحن من بلدان مختلفة. ولكن يجب أن أقول إن معظمنا أتى من دول عربية ولدينا صفات ثقافية مشتركة، وعلى هذا النحو فنحن نعرف كيف نتواصل بيننا ونحترم ثقافة بعضنا البعض. في المرات القليلة التي حدثت فيها بعض المشكلات مثل أحداث عنف على سبيل المثال، تحدثنا جميعاً عن ذلك في الجلسة، لأن عدم ممارسة العنف كان أحد القيم الأساسية في أورفانوتروفيو.

فيما يتعلق بالشخصيات، ومن تجربتي الخاصة، يجب أن أقول أننا لا يجب أن نعير اهتماماً للأشخاص السلبيين ولا حتى نثني عليهم. فلقد جئت من بلد حيث كان الشيء الوحيد المسموح به هو التصفيق للحاكم المستبد، ولكن من المهم التعرف على كل من الإيجابيات والسلبيات. لذا يمكنني أن أقول على وجه اليقين أنني في هذه الأشهر القليلة التقيت ببعض من أطيب الناس، ولا أجد كلمات لوصف ذلك. كما التقيت بأشخاص لديهم دوافع سياسية، ولكني قابلت أيضاً أشخاصاً عاديين ساعدوا لأنهم كانوا محبين للخير. ولكن يجب أن أقول أننا جميعاً ننحدر من نفس العائلة التي تسمى الجنس البشري.

من ناحية أخرى، هناك تصور معتاد أنه إذا قابلت شخصاً ما من بلد معين، فإنك ترغب في رؤية الجميع من هذا البلد يتصرفون بنفس الطريقة. لذلك اعتقدت في البداية أن جميع اليونانيين والإسبان والألمان كانوا مثل المتضامنين الذين التقيت بهم في أورفانوتروفيو، ومع ذلك وبعد الخروج ومقابلة المزيد من الناس، أدركت أن الأمور أكثر تعقيداً. دعونا لا نذهب بعيداً ونتحدث عن سكان حي أورفانوتروفيو، فلقد كان بعض الأشخاص متضامنين حقاً، والبعض الآخر سلبياً واتهمونا بأننا نصدر ضوضاء، وآخرون لن أسميهم الفاشيين ولكنهم ضد المهاجرين ظلوا يسألوننا لماذا يجب أن يكون هذا المبنى للاجئين فقط وليس لليونانيين الفقراء المشردين، أخبرنا بعض المتضامنين أن هؤلاء الأشخاص عنصريين وفاشيين، والبعض الآخر لم يهتموا بأمرنا كثيراً. وكان بعض الجيران يأتون إلينا لتناول الطعام معنا، ولن أنسى ليلة رأس السنة الماضية حيث أتى العديد من جيراننا ويمكنك رؤية أشخاص تعاطفوا معنا وآخرين لم يفعلوا. ولأكون صادقاً، فقد صمد مبنى أورفانوتروفيو بمساعدة سكان الحي إلى حد كبير، استمر الناس في القدوم وجلب الطعام والملابس والمال، والأدوية للمستشفى.

في الختام ، يمكنني تلخيص تجربتي في شعار "الأسماك الوحيدة يمكن التهامها بسهولة" وأود أن أقترح ألا نعتبر أورفانوتروفيو كجنة، بل بدلاً من ذلك يجب أن نتعلم من مشاكله حتى لا نكرر نفس الأخطاء. فإذا كنت أفعل شيئاً خاطئاً، يجب على أصدقائي أن يخبروني أنني مخطئ، لأنه إذا لم يفعلوا ذلك وكانوا متسامحين، فسوف أستمر في ارتكاب نفس الخطأ طوال حياتي. أهم خطأ يمكن أن نتعلمه بالتحديد هو التوقف عن التفكير أنه إذا لم تكن معي فأنت ضدي، لذلك إذا أخبرتني أنك لا تريد شرب القهوة، فلا يجب أن أضغط عليك لأنه ربما لديك أسبابك، ويجب أن أحترم ذلك. أخيراً أود قول شيء لأولئك الذين في المخيمات، لا تفكروا فقط في الطعام والنوم ورحلتك إلى ألمانيا. فالعالم أكبر من المخيم، ويجب عليكم استخدام قدراتكم.