ثيسالونيكي | القصة رقم 1 تعلم المشي معاً

أنا من سوريا، جئت إلى اليونان في شهر شباط عام 2016 ، وشاركت فعلياً في الاحتلال السكني لـ أورفانوتروفيو. لم أسكن في خربة مهجورة من قبل طوال حياتي، لقد كان مبنى مهجوراً، وإذا كنا صادقين لقلنا أنه احتلال غير قانوني لمبنى ولكنه أصبح منزلي، وسأشرح أيضاً مدى أهمية ذلك. بادئ ذي بدء أود أن أتحدث عن انطباعاتي الأولى. فعندما وصلت لأول مرة إلى مدخل الخربة المهجورة، كان هناك 3-4 اشخاص فوضويين قدموا أنفسهم وأخبروني أنني مرحب بي، وتحدثوا معي بأدب شديد وكان لدي انطباع إيجابي لأن هذه كانت المرة الأولى التي يرحب بي فيها شخص ما في اليونان. مكثت في الخربة المهجورة أورفانوتروفيو لمدة 6 أشهر وكانت تجربة مهمة للغاية بالنسبة لي. وكان الأشخاص الذين يسكنون في ذلك المكان جيدين ويهتمون كثيراً، وأصبح لدي بعض الأصدقاء الفوضويين الجيدين. لقد شاركنا في وضع بعض قواعد العمل والتي تمت صياغتها بمنطق الاحترام لبعضنا البعض، ودون تمييز على أساس الجنس أو الجنسية. فاتفقنا على عدم السرقة، أو تدخين المخدرات، أو عدم احترام بعضنا البعض، أو عدم الأمانة، واحترام أوقات الأكل والنوم. كانت الاهتمامات اليومية للخربة هي توزيع العمل الذي يجب القيام به كل يوم، وضع جدول زمني لأعمال التنظيف والطهي ،ولتأمين المكان عندما نعقد جلسات أو ننظم نشاطات سياسية مختلفة.

تركزت النشاطات السياسية على المساواة وحقوق اللاجئين، وفي المقام الأول من خلال ضرورة تواجد اللاجئين في المدينة وعدم الإختفاء وإلقائهم بعيداً مثل القمامة في المخيمات التي أقامتها الدولة على أطراف المدينة. أورفانوتروفيو كان عبارة عن كنيسة داخل المدينة والتي أهملتها الدولة، لذلك كانت فكرة جيدة جداً لاحتلالها وتوفير الطعام والمأوى لللاجئين. أنا، وكذلك العديد من اللاجئين الآخرين سكان أورفانوتروفيو، يمكننا التواجد بسهولة بالغة في وسط المدينة ونكتسب إطلاع واسع وخبرات عن المدينة وعن نمط حياة سكانها. فعلى سبيل المثال يمكننا الذهاب إلى الحفلات والحفلات الموسيقية في الجامعات، وتكوين صداقات، وتعلم اللغة اليونانية، والادرك والشعور بأننا جزء من هذه المدينة. رأيي أن إبقاء اللاجئين في مخيمات معزولة خارج المدينة هو خطأ فادح.

وفوق كل ذلك، في الخربة المهجورة نتناقش جميعاً مع بعضنا البعض، لم يكن هناك زعيم ولم يعتبر أي شخص نفسه على أنه أعلى مقاماً من البقية. ولم يسبق لي أن عملت بشكل جماعي مثل هذه الطريقة من العمل من قبل، والأهم من ذلك أن طريقة العمل هذه لا تخلق لديك شعور بأنك غريب. بل على العكس من ذلك، كانت هذه الطريقة تحاول كسر التصورات القائلة أن بعض الناس هم مواطنين يونانيين محليين أو أوروبيين يتمتعون بامتيازات والبقية لاجئين من قارات أخرى. أجل إنها حقيقة، أن تجربة أورفانوتروفيو حاولت كسر الحدود القومية والاجتماعية وجعلتنا أقرب، وأصبح هذا المكان منزلي لأنني شعرت بالأمان والراحة هناك. والأهم من ذلك أن هذه التجربة ألغت مفهوم الملكية الخاصة. لأنه عادةً عندما نقول منزل فهذا يعني مكان إما بعقد إيجار أو نمتلكه لأننا اشتريناه أو قدمه لنا آباؤنا. وأصبح أورفانوتروفيو وطننا لأنه وطد علاقات الصداقة، علاقات الثقة، علاقات المسؤولية دون الحاجة إلى طاعة شخص ما، دون الحاجة إلى دفع الإيجار حتى لا يتم طردك. لم يكن منزل مغلق يسيطر عليه شخص يمتلكه. بل على العكس من ذلك، كان بإمكان جميع اللاجئين والحي بأكمله الوصول إليه. لقد كان مؤثراً للغاية أن نرى بعضاً من سكان الحي يقدمون لنا الطعام والأدوية والملابس يومياً، وكذلك جميع أصحاب المتاجر والأشخاص في الشارع عاملونا باحترام وساعدونا.

أثناء إقامتي في ثيسالونيكي وفي صيف 2016، حدث أمر مهم للغاية ألا وهو "نو بوردر كامب" معسكر بلا حدود. وكان له أهمية جوهرية وذات مغزى لأنني التقيت بأشخاص من جميع أنحاء العالم، ألمانيا، إنجلترا، اليونان، عرب وأكراد. بدا وكأنه تجمع متعدد الجنسيات. تحدث الجميع معاً، وكانوا يضحكون ويطلقون النكات، وبشكل عام أوجدوا ظروف رائعة لتمكن الأشخاص مقابلة بعضهم البعض والمشاركة في الأنشطة المختلفة، في المطبخ، في الحفلات الساهرة أو في الحفلات الموسيقية. لقد كانت تجربة فريدة لاكتساب المعرفة من كل هؤلاء الناس الذين تجمعوا متضامنين مع اللاجئين. وفي كل يوم كنا ننقل اللاجئين بالحافلة من المخيمات في ضواحي المدينة إلى الجامعة في وسط المدينة حيث أقيم معسكر نو بوردر كامب. بالنسبة لبعض اللاجئين ربما كانت هذه هي المرة الأولى التي يتواجدون فيها في مركز ثيسالونيكي، وشاهدوا المجتمع الرائع لمعسكر نو بوردر كامب. فلقد كان حدثاً مهماً جداً بالنسبة لهؤلاء الناس، وشعروا أن حياتهم مهمة، وأن الناس من جميع أنحاء العالم جاءوا لدعمهم. وأنا كلاجئ مقيم في ثيسالونيكي، تحدثت مع هؤلاء اللاجئين وشرحت لهم ما هو معسكر نو بوردر كامب. وبعد ذلك بدأ اللاجئون رويداً رويداً بتنظيم اجتماعاتهم الخاصة، ونظموا الرقصات والاحتفالات، وقُدم لهم الطعام والملابس والدعم والمساعدة القانونية وبدأوا في مشاركة مشاكلهم واحتياجاتهم. التقى الكثير من اللاجئين بأشخاص من هذا التضامن وعرضوا عليهم منزلاً في وسط المدينة وغادر هؤلاء اللاجئين المخيمات الرهيبة.

أود في الغالب أن أسلط الضوء على موضوع نفسية اللاجئين. فمعظمهم من الأشخاص الذين أصيبوا بصدمة بسبب الحرب، فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، وقاموا برحلة مروعة وصعبة للغاية للوصول إلى اليونان. وعندما وصلوا إلى هنا، وجدوا حدوداً مغلقة ، ونجوا من الظروف المروعة لإيدوميني وتم رميهم في مخيمات خارج المدينة. حتى أكثر المحظوظين الذين حصلوا على شقة في المدينة تضرروا نفسياً بالكامل. يجلسون طوال اليوم ويحدقون في الحائط لمدة 24 ساعة في اليوم، وليس لديهم أصدقاء وينتظرون وينتظرون بينما يشعرون بالضياع في بيروقراطية المقابلات للحصول على اللجوء أو الانتقال. جميعهم يعانون من الاكتئاب لذلك أود أن أقول ما يلي : عندما يكون تشعر بالاكتئاب، أنا شخصياً قد عانيت لفترة طويلة من الاكتئاب، لا يجب أن تعيش بمفردك بل يجب عليك الخروج والذهاب إلى وسط المدينة والمشي، انظر إلى الشمس والبحر وقابل الناس وتحدث معهم، واكتسب الخبرات الاجتماعية، وكون صداقات وأظهر أفضل ما لديك. خلاف ذلك كله خطأ، تحتاج إلى فتح المحادثات الفعالة والمهذبة، فقط بهذه الطريقة ستتحسن حياتك.