ميتيليني| القصة رقم 1 تعلم المشي معاً
لقد جئت من بلد تهيمن عليه الفاشية. أنا من إيران وكنت أعيش مع عائلتي بالقرب من الحدود مع أذربيجان. أنا تركي - أذربيجاني، اضطررت للانتقال إلى طهران عندما اعتقل حراس الثورة والدي وأخي منذ حوالي 15 عاماً بسبب قيمهما السياسية. وكذلك تم اعتقالي وسجني خمس مرات، أربعة منها في الحبس الانفرادي، كان سجني الأول في سن الثامنة عشر. لقد تم تعذيبي وضربي بعنف و حتى الآن علامات التعذيب ما زالت موجودة في جسدي. وعلى الرغم من ذلك ما زلت صامداً.
في السنوات الأخيرة في إيران كنت ناشطاً في مجال حقوق الإنسان وشاركت بالنشاطات و الأعمال التي تساعد بشكل رئيسي المهاجرين من العراق وأفغانستان ، وكنت متضامناً أيضاً مع الأقليات الأخرى المقموعة. قدمنا الطعام وساعدنا الناس في العثور على عمل وحاولنا منحهم صوتاً وجذب انتباه وسائل الإعلام من أجل التحدث عن محنتهم. في غضون ذلك ، لم نواجه فقط سيطرة الدولة وقمعها ، بل واجهنا أيضاً هجمات من عناصر فاشيّة في المجتمع. بالطبع أرادت الدولة معاقبتي وبناء على ذلك اعتقلوني مرات عديدة ثلاثة منهم تحت التعذيب في حكم الإعدام الافتراضي. آخر مرة بقيت في السجن لمدة عامين، ولكن عند إطلاق سراحي ظللت ناشطاً سياسياً وأعيد اعتقالي وأدانتي لمدة 19 سنة هذه المرة. على هذا النحو لم يعد بإمكاني البقاء في إيران وأصبحت الدولة مصدر خطر كبير بالنسبة لي، لذلك قررت الرحيل والهروب من السجن وبدء رحلتي.
ذهبت أولاً إلى تركيا حيث مكثت لمدة 8 أشهر وتواصلت مع أشخاص التقيت بهم وبدأت العمل مع منظمات حقوق الإنسان، خاصة المنظمات التي تتعامل مع اللاجئين السوريين. الوضع في تركيا صعب للغاية فهناك ملايين اللاجئين وأدركت في النهاية أن العنصرية والتمييز ليسا من سمات إيران فقط وأن الوضع في تركيا أيضاً غير إنساني.
في نهاية المطاف عندما غادرت تركيا للمجيء إلى اليونان في سبتمبر 2016 ، كان لدي انطباع وتوقع أنه يوجد احترام لحقوق الإنسان في أوروبا، وأن هناك قيماً تجعل معاملة اللاجئين مختلفة. أذكر تماماً أنه عندما وصلت بالقارب مع 45 لاجئاً آخراً إلى ليسبوس كان هناك شعور بالقدوم إلى مكان آمن ولا يوجد فيه مشاكل أو صراعات. كان لدينا جميعاً شعور داخلي قوي وجميل من الراحة والطمأنينة. ومع ذلك لم يستمر هذا الشعور لأكثر من ساعتين لأنه عندما وصلنا في نهاية المطاف إلى مخيم موريا وواجهنا الظروف الصعبة، تلاشت كل توقعاتنا وأحلامنا التي كنا نحلم بها. عاملتنا السلطات مثل الحيوانات و دون تأمين أي سكن. لقد كنا جميعاً متعبين جداً ومرهقين نفسياً. وفور وصولنا إلى موريا، ودون إبلاغنا بحقوقنا، طلبوا منا أن نوقع على طلب اللجوء في اليونان وإلا سيتم ترحيلنا إلى تركيا.
استجوبونا جميعاً كما لو كنا مجرمين ثم وضعونا جميعاً في خيمة ما يقرب 100 شخص في نفس المكان ومنعونا من الخروج لمدة 28 يوماً وبالتالي كنا سجناء لأن موريا عبارة عن سجن. انتظرنا أيضاً في الطابور لتناول الطعام مع 3000 شخص، مع العلم أن موريا في الوقت الحاضر هي ثلاثة أضعاف هذا الرقم. أساءت الشرطة إلينا، شتمونا، ضربونا بالهراوات لأننا لم نقف صامتين في طابور الطعام، وتعرضنا للعديد من المواقف الغير إنسانية. في موريا يتم انتهاك جميع حقوق الإنسان بشكل منهجي وواضح، ولا يوجد اتباع للمبادئ التوجيهية الدولية لحماية اللاجئين، إنها الجحيم. كما أن إجراءات اللجوء تسير ببطء شديد، وهناك فترة انتظار لا نهاية لها، والعديد من المقابلات لدراسة طلب اللجوء، وبعد عدة شهور يتم إعلامك بالقرار.
حاولت الانتحار وقطعت معصمي لجذب الانتباه، فعلت هذا بنفسي كما فعل العديد من اللاجئين، كانت تلك الفترة الأسوأ في حياتي. ثم في جحيم موريا جاء شتاء شديد البرودة وتوفي خلال شهر 10 أشخاص بسبب البرد في المخيم. رأيت بأم عيني امرأة وابنتها الصغيرة قد أحرقتهما النيران في خيمتهما وتوفيتا.
كانت ظاهرة شائعة جداً أيضاً وهي أن تقوم السلطات بتصنيف اللاجئين وتقسيمهم حسب الجنسية والدين وحالة الضعف وما إلى ذلك. محاولين اخبارنا بطريقة ما ان الأحداث، مثل القصف والاغتصاب والسجن والتعذيب، التي تحدث في سوريا والعراق وأفغانستان تختلف من بلد الى آخر. في الواقع أن السلطات يسخرون منا أمام أعيننا وينتهجون طريقة "فرق تسد" المعروفة كأفضل طريقة لممارسة السلطة والسيطرة على اللاجئين. وبسبب كل ذلك اندلعت الكثير من النزاعات بين الجنسيات والتي كانت في الواقع تخدم مصلحة السلطات. ولذلك فإن النتيجة الرئيسية لسياسات الفصل العنصري هذه هي أنه لم يعد هناك أي مجال يتيح اتحاد جميع اللاجئين معاً وتنظيم أنفسهم والنضال من أجل حقوقهم. على سبيل المثال اذا كان هناك اعتصام أو مشاجرة من قبل مجموعة معينة من اللاجئين في ساحة سافوس في وسط ليسفوس، لا يدعمها لاجئون آخرون لأنه يتوجب عليهم الوقوف كل يوم أمام مكتب اللجوء في انتظار قرار أو أي نوع من الرد على طلب اللجوء.
لذا موريا هي جحيم وسجن في نفس الوقت. لنعيد صياغة الأمر بشكل أفضل، يضطر اللاجئون الى سجن أنفسهم في موريا وإلى انحباس الذات وسط اليأس، لأنه لا أحد يقوم بإبلاغهم بالضبط متى ستتقدم عملية اللجوء إلى الأمام. وبدلاً من ذلك يجعلونهم هناك ينتظرون، مع العلم أنه إذا فاتهم دورهم فسيتعين عليهم الانتظار من البداية مرة أخرى، وهذه الطريقة تجعلهم محاصرين داخل جحيم موريا. وبسبب ذلك يتم تشكيل حالات اليأس والاستسلام، وفقدان الأمل في القتال من أجل حياتهم اليومية. قمنا بشكل مميز بتنظيم مظاهرات في موريا ولكن انضم إلينا القليل من الناس. من المحزن جداً وجود افتراض أساسي بأن العرب ضد الأفغان، والأفارقة ضد الآسيويين، والسوريين ضد الأكراد وهلم جرا.
ضمن هذا الواقع الاجتماعي وقبل أيام قليلة بدأت إضراباً عن الطعام، تضامناً مع الإضراب عن الطعام الذي بدأته بعض الفتيات الأفغانيات. ففي 1تشرين الثاني 2017 بدأت أربع شابات إضراباً عن الطعام وبعد 6 أيام قمت أنا أيضاً بالاضراب عن الطعام بدافع التضامن التام معهن. ولقد كنت قد قمت بإضراب آخر عن الطعام في الآونة الأخيرة من الصيف، لذا فإن جسدي ليس قوياً جداً. ومع ذلك قررت التضامن معهن لأنهن 4 فتيات تتراوح أعمارهن بين 15 و 21 عاماً. لم يسمح لي ضميري بعدم دعمهن ومساندتهن. لذا بدأت إضراباً عن الطعام أيضاً. منذ وصول الشابات قبل أسبوعين إلى موريا لم يعيرهن أحد أدنى قدر من الاهتمام. إنهن شابات، بعضهن قاصرات ولا أحد يهتم بهن. لذا قررن تعريض صحتهن للخطر لكي يلاحظ الآخرون وجودهن، ولاعطاء صوت لمطالبهن البسيطة وهي بأن تأخذ اجراءات اللجوء وضعهن في عين الاعتبار، والحصول على الأوراق والتذاكر اللازمة حتى يتمكنّ من مواصلة الرحلة بالسفينة إلى أثينا. في البداية بدأ الإضراب في موريا ، وبعد ذلك خرجنا بمسيرة احتجاجية إلى ساحة سافوس، الساحة المركزية في متيليني. كان هذا مهماً جداً لأنه ألقى الضوء على صراعنا. جاءت الشرطة لطردنا وخاف الكثير من اللاجئين وعادوا إلى موريا. ولكن بقي عدد قليل منا في الساحة المركزية. كان رأيي أن الإضراب عن الطعام كان لا بد من القيام به في وسط الساحة المركزية في وسط المدينة، وإلا فلن يتغير شيء وهذا ما حدث فعلاً.
كان لهذا الإضراب عن الطعام أثر كبير علي. إنها قصة صعبة للغاية لكنها علمتني كيف أتحكم في غضبي وكيف أبقى هادئاً، ولكن الأهم من ذلك تم تكوين علاقة ثقة بيننا وأصبحنا مثل عائلة. النقطة الأساسية في الإضراب عن الطعام هي عدم اليأس أو الانهيار، وكان ذلك هو دوري في هذا الإضراب وهو السيطرة على الأوضاع و تشجيع المضربين عن الطعام. وباستمرار لدينا جلسات ولقاءات مع أشخاص آخرين متضامنين، نجتمع ونلتقي بمختلف المؤسسات والأطباء والمحامين والشرطة. وذلك كان يتطلب قوة داخلية كبيرة لمحاولة التأقلم والبقاء صافي الذهن لمواصلة الصراع.
لا بد لي أن أشير أن الفتيات اللواتي بدأن الإضراب عن الطعام هن أمثلة فريدة على القوة والنضال، لديهن رابطة هائلة بينهما، لديهن مرونة كبيرة بمعنى أنه حتى في أصعب الأوقات يدعمن بعضهن البعض ولا يستسلمن. قوتهن ليست جسدية فقط بل إنها عاطفية، عقلية، روحية، وفي المقام الأول يتضامنّ معاً ويعملنّ كجسدٍ واحد. لقد تعلمت الكثير منهن، هن مصدر الحماس الدائم، مصدر وقوة الحياة، ومصدر الهامي.
أحياناً يمزحن مع بعضهن البعض، فعلى سبيل المثال يلقبن أنفسهن بـ تشي جيفارا الاناث. وفي الواقع ما تفعله هؤلاء الشابات الأفغانيات أكبر بكثير من أعمارهن، لأنهن يبلغن من العمر 15 و 16 سنة فقط وأصبح لديهن منزلة متنوعة جداً تاريخياً واجتماعياً وسياسياً. إنهن وسط مجموعة من الظروف بدون أمل واضح ومع ذلك يواصلن القتال. وكمثال آخر على روح الدعابة لديهن، في يوم ما عندما وصلن إلى اليوم العشرين من الإضراب عن الطعام وفقدن 7 كيلوغرامات من وزنهن، أقمن احتفال صغير وقالوا "لقد أصبحنا نحيفيات وجميلات مثل دمى الباربي". كانت الفتيات يستمتعن بنحافتهن من خلال تحويل دمى الشخصيات العالمية لتصبح رموزاً في نضالهن.
عندما أرى كل هذا الشغف أشعر أنني ضعيف جداً أمام قوتهن، وبالتأكيد ما يزال لدي الكثير لأتعلمه من خلال كفاحهن. إن نضال تلك الفتيات يشبه بطريقة ما صندوقاً يتم الضغط عليه من جميع الجهات، من الشرطة، من سلطات الهجرة، من النظام الأبوي، من العنصرية. فإلى أي حد يمكن للصندوق أن يتحمل الضغط ولا ينفجر من جميع الجهات. استنتاجي هو أن الثورة القادمة هي ثورة المرأة وبغض النظر كيف سينتهي هذا الصراع.